الجزيرة ابا
,¸¸سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك¸,

مرحبا بك فى منتدى الجزيره ابا



تحباتى المدير العام

دراسات مهدوية مقتبسة من سودانيز اون لاين والنيل الابيض والصحافة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دراسات مهدوية مقتبسة من سودانيز اون لاين والنيل الابيض والصحافة

مُساهمة من طرف cnoc في الأربعاء مارس 30, 2011 12:17 am

29

القوميات السودانية والانتماء القبلي للاحزاب

تحليل تجربة حزب الامة القومي




في ورشة العمل التي عقدها حزب الامة لمناقشة قضية مشاكل السياسة السودانية وافاق المستقبل قدم السيد يوسف تكنة وزير الاستثمار السابق ورقة عن (القوميات السودانية والانتماء القبلي للاحزاب – تحليل تجربة حزب الامة القومي) وفي مقدمة الورقة لاحظ الكاتب ان السودان – كدولة قومية- بات يواجه منذ مطلع هذا القرن احتمالات الفشل والتفكيك لان الكيانات المكونة له في الاطراف الهامشية باتت تنزع للمطالبة بالاعتراف بخصوصيتها لدرجة تتحدى الدولة في المركز، وهو يرى ان هناك عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية وراء هذه الظاهرة كما انها تعكس تراكما لاخطاء تاريخية في التعاطي مع قضية بناء الدولة الوطنية، وفي هذا الاطار يرى الكاتب ان الاحزاب بعد تحقيق الاستقلال فشلت في تذويب الانتماء القبلي وشده الى المكونات الحديثة للمجتمع المدني.
وتقوم اطروحة الكاتب في ورقته التي تتناول حزب الامة كحالة دراسية، على تحليل الاسباب الجذرية التي جعلت من الحزب احيانا وعاء للقبائل المساندة مع وجود قبائل في مواجهته سياسيا وانحاز ولاؤها كقبيلة للاحزاب المنافسة له.
ويعالج الكاتب القضية في ثلاثة فصول:
* الفصل الاول يعالج الاسباب الكامنة وراء الظاهرة العرقية في السياسة السودانية وكيف تم تكريسها.
* الفصل الثاني يستعرض موقف حزب الامة من القبلية والى اي مدى اكتسب منها قوة او ضعفا.
* الفصل الثالث يتناول أثر السياسات الحزبية القبلية في اذكاء الصراع في دارفور.
ويشير الكاتب الى ان بداية القرنين السادس عشر والسابع عشر قد شهدا بدايات ظهور القوميات السودانية من خلال تأسيس مراكز للسلطة في الفضاء الجغرافي السوداني ثم جاء بعد ذلك مشروع الدولة الوطنية ليرتكز على تلك البدايات لبناء الهوية السودانية الجامعة فكانت النتائج هشة وبائسة ولذلك فان هذه الهوية الجامعة لا تزال محل شد وجذب، ومن هذه المقدمة النظرية ينطلق الكاتب ليستعرض بدايات ظهور القوميات السودانية من خلال نشأة الممالك والسلطنات السودانية، سلطنة الفونج، سلطنة تقلي، سلطنة دارفور فيقول:




* قبيلة المساليت:-
تقطن هذه القبيلة سهول الوديان الغربية لجبل مره وهي معبر للطرق الهامة التي تربط بين غرب أفريقيا والسودان الأوسط ثم الأراضي الحجازية وكذلك الطرق المؤدية من وسط وجنوب القارة إلي شمال أفريقيا في كل من بلاد المغرب العربي والديار المصرية فالبحر الأبيض. ولأهمية هذا الموقع ظلت دار مساليت أرض نزاع مستمر بين سلطنتي الفور والوادي لفترات طويلة. أبان الحكم التركي لدارفور 1874-1882م ظلت قبيلة المساليت جزءاً من دارفور حتى أن سلاطين باشا أبان تولية إدارة هذه المديرية التقى بكبكبية بهجام حسب الله زعيم المساليت وأنعم عليه بلقب (البكاويه). عند بداية الثورة المهدية كان هنالك اضطراب في إدارة هذه القبيلة وتحكي الروايات أن هجام بك الذي كان يحكم القبيلة من رئاسته بقرية مستري قد بدأ يقسو على عشيرته والتي هي بدورها قد ضاقت به وبدأت تبحث عن البديل.1 في هذا الأثناء توجهت انظار القبيلة إلي الفقيه إسماعيل أبكر الذي كان يدرس في معهد والده للقران بقرية درجيل وهو ممن دراسو القرآن والفقه علي الشيخ إسماعيل الولي وانخرطوا في سلك الطريقة الاسماعيله ( وعند ظهور المهدي هاجر إليه وبايعه بعد موقعة شيكان وعاد إسماعيل من الأبيض اميراً على المساليت واحترب مع هجام حسب الله وطرده فهاجر إلي المهدي يشكو الحال).2 على أيدي أحفاد الفقيه إسماعيل أبوبكر قامت سلطنة المساليت التي وحدت القبيلة على أنه في مرحلة الإنشاء الأولى هذه خاضت قبيلة المساليت معارك كبيرة ومتعددة تحت قيادة زعامتها الجديدة كي تنال استقلالها من نفوذ كل من سلطنتي الفور والوداي وقد تحقق لها ذلك كما أنها وبعد وفاة المهدي وتمرد قبائل دارفور على سياسة الخليفة عبد الله شقت قيادة هذه السلطنة عصا الطاعة على أمراء المهدي وخاضت ضدهم معارك ضارية تارة منفردة وتارة أخرى تتحالف مع ثورة الفكي أبوجميزة التي كادت أن تذهب بدولة المهدية بدارفور لولا جسارة عثمان ادم جانو. أثناء هذه المعارك وفي مرحلة مالت فيها كفة القوة لغير السلطنة أجبر الفقه إسماعيل عبد النبي بالذهاب إلي الفاشر مع أبنائه أبوبكر وعمر وجمال الدين ولما اقاموا بها برهة مهد الفقيه إسماعيل ليهرب أبنه أبوبكر ليعود إلي دار مساليت ليحكمها دون طاعة عثمان آدم ومما قاله إسماعيل لابنه قبل أن يفترقا (أن حال المهدية قد تغير فقد كانت رسالة دينية على عهد المهدي وأصبحت اليوم ملكاً يقوم على الاستبداد والتسلط فرجع أبوبكر إلي أهله وكله عزم على مناهضة ما اسماه أبوه بحكم البقاره).3علي أن قبائل البقارة في معظم قياداتها قد تمردت على هذا الحكم كما رأينا من قبل ولكن الفقيه الأمير كان صريحاً في أرائه السياسية التي دعت إلي التمرد فهو لا يرضي بفرض وسيطرة حكم هو في رأيه لمجموعة قبليه متمثله في البقارة بينما القبائل قد شقت عصا الطاعه على الخليفه عبد الله بقاره وغير البقاره من قبائل المزراعين. على أن قبيلة المساليت بقياداتها قد عادت مرة أخرى إلي المهدية الثانية وهاجرت إلي السيد عبد الرحمن في الجزيرة أبا وساهمت بجهد وافر فيها كما تمسكت بحزب الأمة في فترة الاستقلال وفيما بعد حتى الانتخابات الآخيرة 1986م كما تدل النتائج على ذلك.
هذه النماذج الأربع للانتماء السياسى الحزبى للقبائل مع أو ضد حزب الامه لا تدعى الاحاطه ولا الشمول ولكنها انحازت جغرافيا إلى الاقاليم التى نشطت فيها حركة المهديه الجديده وهى كردفان ودارفور ومن ثم جاء الاختيار لوضوح المواقف السياسيه وكذا لتحليل واستنباط العوامل والاسباب التى ادت الى تلك المواقف السياسيه والتى ظلت مؤثره لاكثر من قرن من الزمان فى الوجدان القبلى الجمعى. كردفان ودارفور ظلا اقليمين منفتح كل منهما على الاخر فى تدافع اجتماعى واقتصادى منذ قرون وقد سهل الموقع الجغرافى غرب النيل لكل منهما مع الامتداد السهلى المنبسط دون حواجز طبيعيه هذا التدافع بل والتكامل فى كثير من جوانب الحياة على ان لكل من الاقليمين تميزه التاريخى عن الاخر وقد حافظ عليه. فاقليم كردفان يقع على مقربه من حوض النيل الاوسط (بلاد البحر) مماجعله اكثر انجذابا وتاثراً فى معظم المناشط الحضاريه والاجتماعيه والسياسيه معا وهو بذلك منطقه وسطى ولكنها غير عازله لاقليم دارفور اما هذا الاخير فيقع فى الغرب القصى من السودان الاوسط .4 ولاشك لهذا الموقع الجغرافى آثار بالغة الاهميه فى تكوين هذا الاقليم فى الماضى والحاضر وذلك كما أشرت من قبل أن هذا الموقع الجغرافى جعل اقليم دارفور يتوسط مركزين هامين لتكوين الدولة والسلطة هما حوض نهر النيل وحوض بحيرة تشاد وهكذا ظل فى كل تاريخه القديم والحديث محل تجازب وتنافس بين هذين المركزين حتى فى أيام نهضته القويه بقيام سلطنة الفور كيرا فى القرنين الثامن والتاسع عشر اى أيام مجد المملكة ولان هذا الإقليم قد انحازت كياناته القبلية للثورة المهدية الأولى بقيادة الإمام المهدي والمهدية الجديدة بقيادة الإمام عبد الرحمن رغم النكوص الذي أشرت إليه في ولاية الخليفة عبد الله لاتفي هذه الدراسة بالغرض دون الإلمامة بطرف من تفاعل هذا الإقليم بحركة المهدية الجديدة وحزب ألامه .
7_ قبائل دارفور والعودة إلى المهدية مره أخرى :
منذ الانتخابات الأولى في السودان وحتى الانتخابات الأخيرة 1986 ظلت نتائج هذه الانتخابات شواهد داله على أن التيار الرئيسي في معظم قبائل دارفور تقف الى جانب حزب ألامه.5 وهذا يؤكد ارتباط هذه القبائل وزعاماتها التقليدية والحديثة بإرث المهدية والانتماء إليه دون تردد رغم بعض الأصوات المنتقدة لسياسات حزب ألامه خلال العقود الماضية وهذا أمر له دلالته ويحتاج إلى تفسير. تمت الإشارة من قبل إلى أن دارفور بحدودها الحالية تقريبا ظلت كيانا إداريا وسياسيا واحدا منذ القرن الثامن عشر وذلك اثر انتصار سلطنه الفور وتكوينها في هذا الإقليم مركزا للسلطة. كما تمت الإشارة من قبل أيضا إلى أن مركز السلطة بدارفور رغم استقلاله ظل محط تنافس لمراكز السلطة الأخرى التى تكونت بدورها فى شكل ممالك سودانيه بحوض نهر النيل وبحيرة تشاد غربا. وبذلك خلق موقع دارفور الجغرافى خاصية التاثر والتاثير بين هذين المركزين وهو امر اوضح مايكون فى المجالات الثقافية والاقتصادية. ان الفضاءات الجغرافية المفتوحة ساعدت بل ويسرت هذا الامر. فى مجال هذا الأفق الثقافي الديني تمكنت فكرة المهدي المنتظر كمصلح دينى يعيد للإسلام نقاءه الأول ويجدد مجده من وجدان قبائل دارفور فى العقود التي سبقت دعوة الإمام المهدي فى السودان وذلك لقرب أهل هذا الإقليم من (اثر حركة الجهاد الفلانى التي قام بها الشيخ عثمان دانفوديو فى شمال نيجيريا ثم واصلها أخوه عبد الله وأبنه محمد بيلو وغيرهما. إذ بشرت حركة دانفوديو بقرب ظهور المهدي المنتظر بالمشرق وكتب أصحابه مؤلفات كثيرة في هذا الموضوع وقد ذكر محمد بيلو في كتابه إنفاق الميسور أن والده عثمان قد أخبره عن قرب ظهور المهدي وأن أتباع الشيخ عثمان هم أبكار إتباع المهدي وان الجهاد الفلاني لن يخمد أواره حتى يظهر المهدي ويتسلم القيادة ويذكر حياتو بن سعيد حفيد دانفوديو في خطاب الى المهدى تبشير جده بظهوره وأنه أوصاهم بالانضمام إليه وقد انتشرت هذه الأقوال انتشارا واسعا فى السودان الغربى وصارت معتقدا عاما ..... ولكن مما لاشك فيه ان أخبار دانفوديو قد وصلت غرب السودان وان بعض أقواله وما بشر به قد انتشر فيه وقد جاء تأثيره في التهيأه لمهدية السودان على هذا الأساس وبهذا القدر).6 وبهذا فإن فكرة وعقيدة المهدية نضجت بمجتمع قبائل دارفور وأصبحت على أهمبة الاستعداد لتلبية الدعوة وهكذا كان الأمر بالنسبة لمعظم القبائل التي تدافقت صوب الأمام المهدي ودعوته.7 في هذه الدعوة الدينية والوطنية والاستجابة الهائلة والسريعة لها لحظة تاريخية فارقة في تاريخ قبائل دارفور السياسي. في هذه اللحظة بالذات حسمت القبائل توجهات إنتمائها إلي الكيان الأكبر شرقاً بوسط السودان النيلي بدلاً من الغرب حيث ما فتئت دولة الوداي تقدم رجلاً وتؤخر أخرى تجاه الثورة المهدية. وفي هذه الحظة بالذات ايضاً ومن خلال كتابه التاريخ المشترك في ملاحم الثورة مع بقية قبائل السودان والانتصارات الباهرة التي تحققت تمددت إنتماءات قبائل دارفور إلي ولاءات أكبر من القبيلة المحلية لتشمل حدود السودان كل حدود السودان التي خاضت فيها المعارك الوطنية. وهكذا بدأ هذا التاريخ الباهر وقصص البطولات التي تروي عنه بدأت الهوية السودانية تنمو وتتمدد في وجدان هذه القبائل ولأن هذه المعارك تم خوضها جنباً إلي جنب مع بقية قبائل السودان النيلي والشرقي بدأت (حميميه) النضال المشترك والمستقبل الواحد والكيان الأكبر تحل محل الولاءات القديمه وهذه هي كانت اللحظة الباهرة في ميلاد السودان الواحد طوعاً في القرن التاسع عشر.
بعد معركة أمدرمان 1898م وإنكسار دولة المهدية عمت الخيبة النفوس ولكن الأمل لم ينقطع وتكررت الانتقاضات والهبات في معظم أرجاء السودان وفي دارفور كانت ثورة الشهيد السحيني1922م. التي كادت أن تخرج دارفور عن سيطرة الإدارة الاستعمارية ومن بعد بدأت هذه الإدارة في سياسة عزل دارفور عن بقية أجزاء القطر الأخرى وبدأت مرحلة (الانقطاع) عن المهدية وعن كل ما يدور في شمال ووسط السودان ولكنه انقطاع مؤقت كما سنرى.
في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان كان للسيد عبد الرحمن والمهدية الجديدة الدور الحاسم في إعادة دمج دارفور مرة أخرى في الكيان السوداني وهنا يظهر جلياً أن قبائل دارفور وما اظهرته من تمرد وعدم إنصياع للدولة المهدية في المرحلة التي سبقت دخول المستعمر كان إعتراضاً على شرعية حكم أوتقراطية الخليفة القبليه وليس رفضاً لفكر ونهج المهدية. عام 1922م إتخذت السلطة البريطانية سياسة تحديد تحركات السيد عبد الرحمن المهدي لاحتواء نفوذه ونفوذ المهدية الجديدة وقد اتخذت هذه السياسة في دارفور منهجاً صارماً ومتشدداً لاحداث الانقطاع الكلي بين أهل دارفور ونشاط الإمام عبد الرحمن المهدي. في تنفيذ هذه السياسة أتخذ مدير مديرية دارفور وسائل إجرائية وعملية بعد أن تأكد ومنذ وقت مبكر خطورة انتشار المهدية الجديدة تبلورت هذ السياسة في الأتي:-
1. تركيز سلطات زعماء القبائل ومنحهم التفويض المطلق في كبح جماح أي نشاط له علاقة بالمهدية من تجمعات وبناء مساجد وقراءة راتب الإمام المهدي بل والحجز العملي من الهجرة (التسلل) إلي الجزيرة أبا والشمال عموماً بل إلي أي جهة وجد فيها نشاط المهدية الجديدة.
2. المنع القاطع لأي وسيلة إتصال بالسد عبد الرحمن المهدي مباشرة أو عن طريق وكلاء.
3. العمل على إظهار قوة وبطش يد الحكومة على كل من يتشكك في ذلك ويروج بالدعاية أو الاشاعات للمهدية الجديدة أو السيد عبد الرحمن.
4. العمل بكل الوسائل لاحتواء الأهالي والمواطنين ضد التوجه للنشاط والعقيدة المهدية خاصة وقد شاعت فكرة أن الإمام عبد الرحمن هو صاحب الوقت.8
هذه السياسات التي بها كثير من العسف لم تجد فتيلاً. فالمدير في ذات المذكرة (5/3/1937) يشير إلي قلقه من الهجرة السرية إلي الجزيرة ابا بإعداد تثير قلق الإدارة خاصة في عام 1936م ويعزي ذلك إلي احتياج السيد عبد الرحمن المهدي إلي العماله في مشاريعه بالنيل الأبيض وإلي الإشاعات المتزايدة مع سفر الجنود إلي الجبهة الشرقية للحرب إلي ان الامام عبد الرحمن المهدي قد استولي على زمام الحكومة بالخرطوم مما إضطر سلطات الشرطة للتدخل وإتخاذ بعض الإجراءات كما تشير أيضاً إلي الأحداث القبلية بكل من منطقتي الميدوب وبني حسين حيث هاجرت بعض فروع هذه القبائل سراً إلي الأمام عبد الرحمن وهي تشكو ظلم الحكومة وممارسة زعماء القبائل كما أن هناك بعض المزارعين بدأوا في نشاطات زراعية في المديرية بأسم الإمام عبد الرحمن في كل من منطقتي كورما شمال غرب الفاشر بواسطة حمد محمد ديما وعبد الله عبد القادر أبو رونقو بمنطقة زالنجي وكاس وأن المساليت بقيادة الفكي جار النبي يتدفقون إلي الجزيرة أبا في هجرات سرية نشطة وقد عملت فكرة النبي عيسى في نفوسهم.9
لا شك أن هذا الأحياء وإعادة الروح والأمل الطاغي لأهل دارفور في المهدية الجديدة وشدهم القوى إلي وسط وشمال السودان رغم سياسات القهر والجور التي مارسها المستعمر لدليل قاطع على تمكن هوية المهدية من جانب ومن جانب أخر دلالة باهرة على عبقرية الإمام عبد الرحمن المهدي في السياسة والتنظيم والإدارة.10 فالإدارة البريطانية ولكبح نشاط السيد عبد الرحمن المهدي السياسي والديني حددت في منشور لكل مديري المديريات مناطق محظورة لا يسمح للسيد عبد الرحمن زيارتها أو القيام بأي نوع من أنواع النشاط السياسي أو الديني أو الاقتصادي كما ضرب عليه الخصار في تحركاته في حيز جغرافي ضيق إلا أن الرجل تخطى هذه الحواجز المصطنعه بمهارة فائقة.11
تجلت قدرات السيد عبد الرحمن التنظيمية لتجاوز عقبات الإدارة البريطانية لتحجيم نشاطه السياسي عن طريق إبتداع الوكلاء والمناديب الذي ربطه ربطاً محكماً بقواعده في دارفور. بدأ هذا التنظيم في وقت مبكر وتدرج في بنائه في هدوء وبشكل محكم حتى أضحى في عام 1947-1948م أداة ربط وتعبئه سياسية فعال. ففي عام 1946 خاطب المستر بني من مكتب السكرتير الإداري كل من مديري مديريات دارفور وكردفان والنيل الأزرق في شأن وكلاء ومناديب دائرة المهدي بعدم التحفظ على نشاطهم لأن ذلك قد أصبح واقعاً ماثلاً في كل مناطق الأنصار في الجهات المحظورة لمثل هذا النشاط. في مذكرة تعميم أورد بني عن السكرتير الإداري (أن السيد عبد الرحمن قد تحدث مع السكرتير الإداري في أمر الحظر الذي ما زال مفروضاً عليه وما يعينه ذلك من عدم إعتبار لموقفه. ثم أردف قائلاً أنه شخصياً لا ينوي زيارة المناطق المحظورة عليه ولا ينوي حتى كبار مناديبه أمثال محمد الخليفه شريف والسيد عبد الله الفاضل ولكن في نفس الوقت زيارة من شخص شاب وعاقل مثل السيد الصديق لا تأتي بضرر للحكومة وعليه يرجو أن يتم استثناء السيد الصديق من أمر الحظر ).12 يسطرد بني في خطابه قائلاً (كان رد السكرتير الإداري بأنه سينظر في الأمر وعليه أرجو إفادتنا بوجهة نظركم بأمر السماح للسيد الصديق بزيارة قصيرة إلي المناطق المحظورة خاصة ومع أن السيد عبد الرحمن ما زال محظوراً عليه تلك المناطق إلا أنه من حيث الواقع العملي فإن أمر الحظر بالنسبة للوكلاء قد مات مبكراً. وما دام الأمر كذلك بالنسبة للوكلاء فقد وجهت من قبل السكرتير الإداري بألا نرى خطراً في السماح بزيارة المناديب – وباعتراف رسمي – من وقت لأخر من قبل دائرة السيد وهذا يتمشى مع سياسة الاسترخاء المعلنه معه وقد وقف معنا الرجل أبان الحرب).13 وهكذا عن طريق الوكلاء والمناديب استطاع الأمام عبد الرحمن تنظيم وربط جموع الأنصار في دارفور وشدهم إليه بصورة مباشرة في الخرطوم.14 لا شك في ذلك استجابة واسعه لما كان يزخر به وجدانهم من توق إلي هوية دينية ووطنية أكثر رحابة مما الفوا من انتماءات محليه.
في ختام هذه الدراسة تجدر الإشارة إلي أنها محاولة لتفسير رفض أو انتماء بعض قبائل السودان الغربي إلي حركة فكرية دينية ووطنية ظلت تؤثر في تاريخ السودان السياسي منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم وهي بذلك تظل أحدى الركائز الأساسية في بناء الدولة الوطنية السودانية إذا ما أحسن توظيف تراثها الوطني ببصيرة وحكمة لهذا الغرض. أما بالنسبة لقبائل دارفور واستمرارية الانتماء للتراث المهدوي في ظل الحاضر السوداني يكتنفه كثير من التكهن وذلك لأنه منذ 1989م واستلام الحركة الاسلامية للسلطة في السودان قد طرأت أحداث جسام في الاقليم. فالسياسات المنهجية التي اتبعت تجاه القبائل أدت إلي تفتيت الكيانات الكبيرة وإنشاء كيانات جديدة لايسندها العرف القبلي القديم ولكنها جاءت بمبررات الولاء السياسي الأمر الذي أعاد القبائل إلي النعرات العرقية الضيقة والاستقطاب العرقي الحاد. أما الحرب الأهلية التي أندلعت في الإقليم منذ 2002م وحتى اليوم فقد ترتبت عليها آثار إجتماعية وسياسية بالغة الخطورة إذ غيرت جزرياً ديمغرافية الإقليم ونسيجه الاحتماعي بما لم يحدث في تاريخه الحديث من قبل. كل ذلك يحتاج إلي التقصي والتحليل وهو قطعاً ليس من شأن هذه الدراسة المختصرة.













1 يوسف تكنة تقرير عن الصراع القبلي بدارفور 1997م ص30.
2 موسى المبارك. المصدر السابق ص63.
3 موسي المبارك. المصدر السابق ص 146
4 هذا مفهوم تاريخى يقسم السودان الى السودان الشرقى والاوسط والغربى ويعالج الممالك ومراكز السلطه التى نشات على هذا الحزام على ضؤ ذلك .
5 كانت نتيجة انتخابات 1986 فى الدوائر الجغرافيه بدارفور وهي 36 دائره فاز حزب الامه 34 دائره وهناك ثلاثه دوائر للخريجين فازت بها الجبهه الاسلاميه .
6 د/ محمد إبراهيم ابوسليم. الحركة الفكرية في المهدية 1989مص16-17
7 الرواية التي أوردها الزبير باشا والتي يقول فيها بعد فتحه بدارفور واسر عبد الله ود تورشين خليفة المهدي فيما بعد والتي يقول أنه قد هم بقتله إلا أن علماء الشرع نصحوه بغير ذلك ثم يقول له عبد الله فيما بعد بأنه رأي في الحلم أن الزبير هو المهدي المنتظر وأنه من أتباعه، تدل على أن فكرة المهدية قد اصبحت عقيدة عند نخب دارفور وذلك بحكم أن والد الخليفه كان عالماً ويقوم على دار للتعليم الديني بقرية بدار التعايشه وهو بذلك قريب مما يدور في هذا الشان. أنظر إلي تفاصيل الرواية في جعفر حامد البشير. مملكة الجعلين الكبرى2004ص 240
8 مذكرة مدير المديرية عن المهدية بدارفور 1973م ملف نمر 56/ك12/المهدية بدارفور.
9 مذكرة المديرية بدارفور عن المهدية 1937. نفس المصدر
10 أشير هنا إلي المهدية والتي اعني بها بجانب العقيدة الدينية التاريخ الجهادي والوطني المشترك.
11 المناطق المحظورة على السيد عبد الرحمن وفق منشور 1923 تشمل كل من مديرتي كردفان ودارفور ثم مناطق بقارة سليم في مديرية النيل البيض ومركز الفونج بالنيل الأزرق.
12 خطاب السيد بني (مكتب اليكرتير الإداري ) بتاريخ 26/أبريل/1946م ملف دارفور ف/1/56.
13 خطاب السيد بني نفس المصدر.
14 الوكيل هو الشخص الذي يتم إختياره محلياً واعتماده من السيد عبد الرحمن . أما المندوب فهو الشخص الذي يرسله السيد عبد الرحمن من دائرة المهدي بتفويض شخص منه.



أخبار مرتبطة:
القوميات السودانية والانتماء القبلي للاحزاب -يوسف تكنة
القوميات السودانية والانتماء القبلي للاحزاب -يوسف تكنة
القوميات السودانية والانتماء القبلي للاحزاب -يوسف تكنة
القوميات السودانية والانتماء القبلي للاحزاب -






















:::

تشرشل قال إنهم أشجع الرجال.. ونميري ذبحهم
الأنصار في السودان.. دعوتهم بلغت أمريكا و"جزيرتهم" لا تدخلها الشرطة!

150 مسجدا للأنصار في الخرطوم !
توتر مع القاهرة
جلباب عمره 120 عاما
جزيرة لا تدخلها الشرطة
الهيكلة الادارية
دعوة لتجاوز الصراع السني الشيعي
الامام محمد أحمد المهدي



كتاب تشيرشل عن المهدية و في الصورة قبة الامام المهدي بأم درمان

دبي - إبراهيم هباني، خالد عويس

حين يفرغ المصلون في مختلف مساجد العاصمة السودانية من أداء صلاة الجمعة كل أسبوع، يبدأ آلاف غيرهم في الزحف باتجاه مسجد يقع في حي ودنوباوي في أم درمان حيث تقام الصلاة متأخرة ساعة ونصف تقريبا عن موعدها في بقية أنحاء الخرطوم لتمكين "الأنصار" الآتين من داخل الخرطوم وخارجها أحيانا من اللحاق بالخطبة التي عادة ما تتناول شؤون مختلفة تبدأ بالسياسة ولا تنتهي بالرياضة والفن.

وصلاة الجمعة في هذا المسجد، علاوة على "السخونة" السياسية التي ميزت خطبها طيلة عهد الإنقاذ مشكلة استقطابا حتى لغير الأنصار، فريدة في خصائصها. إذ لا يقتصر الأمر على مجرد الاستماع للخطبة ومن ثم الصلاة فحسب، إنما ترافقها مظاهر يندر أن تقع عليها العين خارج مسجد الإمام عبدالرحمن المهدي.
فحين يصلي الصادق المهدي (إمام الأنصار) في هذا المسجد، ترتفع هتافات الأنصار المعروفة "الله أكبر ولله الحمد" بمجرد رؤية سيارته حين قدومه من منزله القريب، وحين مغادرته.
ويسعى فريق الحراسة الخاصة به لأن يكون ودودا مع الجميع باعتبار أن الصادق المهدي "وسط أحبابه". يتكرر الأمر أيضا حين يأتي الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار عبدالمحمود أبوّ وكذلك حين يطل الأمير عبدالرحمن نقدالله الملقب بـ"أسد الأنصار" نظرا لمواقفه القوية ضد الإنقاذ.



150 مسجدا للأنصار في الخرطوم !

يمتليء المسجد عن آخره بالرجال في زي موحد تقريبا هو زي الأنصار، في حين تنتصب خيام في باحة المسجد لتسع بقية المصلين، والنساء الأنصاريات اللائي يصلين في أماكن مخصصة في الخلف. وقبل الصلاة قد يتجه بعض لقراءة القرآن و"راتب الإمام المهدي" وهو مجموعة آيات قرآنية وأدعية مأثورة يدعو غالبها للزهد. وبعد الصلاة، غالبا ما يعقد الصادق المهدي أو أحد قادة هيئة شؤون الأنصار وغالبتهم من حفظة القرآن والفقهاء، قران عدد من الشباب في مظاهر متقشفة، ويتم أيضا التنويه بالأموات حديثا من الأنصار والترحم على أرواحهم. يعقب ذلك أداء بعض الأنصار لمدائح تتناول الحث على طاعة الله وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتأتي أيضا على مآثر الإمام المهدي.
وكانت التظاهرة الدينية الاجتماعية التي يشهدها أسبوعيا مسجد ودنوباوي، تقام حتى منتصف التسعينات في أكبر مساجد الأنصار على الاطلاق الكائن في وسط أمدرمان وهو مجمع كبير يتألف من مسجد يسمى مسجد الخليفة عبدالله التعايشي ومرقد الإمام المهدي علاوة على باحة تحتل مساحة كبيرة.
وعلى عكس طابع البناء السوداني الصميم الذي يشي به هذا المسجد الأخير، يقوم بناء آخر على بعد مئات الأمتار على طراز إنجليزي خالص كان أحد المقار الحكومية للاستعمار وأضحى مقرا لمجلس بلدية المدينة. وربما تنطوي هذه المفارقة المعمارية على جانب آخر يتمثل بالشد والجذب الذي قام بين الأنصار والإنجليز وبدأ بالمواجهة المسلحة في حين ساد نهاياته نضال سياسي نحى السلاح وتضمن قدرا من الصداقة التي نشأت بين الجانبين في نهاية عهد الاستعمار.
ويقول الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار عبد المحمود أبوّ لـ"العربية.نت" إن عدد مساجد الأنصار في الخرطوم 150 مسجدا. وتوجد مساجد خاصة بالأنصار في منطقة النيل الابيض الذي يمثل قاعدة كبيرة للأنصار وكذلك في ولاية نهر النيل في منطقة الدامر وفي دارفور في غرب السودان ومنطقة الجزيرة في وسط السودان". ويضيف أن دور العبادة والخلاوى والمساجد الخاصة بهيئة شؤون الانصار خرجت أكثر من 2500 من حفظة القرآن خلال العشر سنوات الأخيرة.
وقامت حكومة الانقاذ بمصادرة مسجد "خليفة المهدي" في منتصف التسعينات بعد اتهامات وجهتها للأنصار بإخفاء سلاح في المسجد. وتعرض المسجدان "ودنوباوي ومسجد الخليفة" في السابق للقصف حيث تعرضت قبة المهدي لقصف مدافع جيش القائد الإنجليزي كتشنر الذي سقطت الدولة المهدية على يده في نهاية تسعينيات القرن التاسع عشر انتقاماً لمقتل غوردون باشا على يد الأنصار عند تحرير الخرطوم على بواسطة المهدي في 1885.
أما مسجد الإمام عبد الرحمن المهدي في ودنوباوي فقد شهد هو الآخر قصفا إنما من جانب نظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميرى في مارس 1970 على خلفية مواجهات دارت بين الأنصار والحكومة في ذلك الوقت وكانت ساحتها الأساسية الجزيرة أبا معقل إمام الأنصار آنذاك الهادي المهدي وحي ودنوباوي. وكانت حكومة نميري تتبنى وقتذاك أفكارا ماركسية رفضها الأنصار بشدة ودخلوا إثر رفضهم هذا في مواجهات ضد الحكومة انتهت بقصف الجزيرة أبا وحي ودنوباوي ومقتل الإمام الهادي في جبال الأنقسنا جنوب شرق السودان أثناء "هجرته" إلى إثيوبيا.
ويعتقد في السودان على نطاق واسع أن القوات الجوية المصرية شاركت مع حكومة نميرى في قصف الجزيرة أبا. وراح ضحية تلك الأحداث ما يربو على 2000 أنصاري.



توتر مع القاهرة

ولم ينكر الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار التوتر الذي شاب العلاقة بين الأنصار والحكومات المصرية المتعاقبة، مبررا ذلك بأن مصر "كانت أحد قطبي الاستعمار الثنائي - بريطاني مصري - في 1899 وأن الأنصار كانوا ضد الاستعمار وخاضوا معارك ضد المستعمر وقدموا آلاف الشهداء في معركة كرري ومعارك أخرى ". بالإضافة إلى أن مصر تبنت الحزب الاتحادي الممثل للختمية وهو حزب كان يدعو للوحدة مع مصر تحت التاج المصري فيما دعا حزب الأمة الذي يمثل الأنصار لاستقلال تام عن مصر وبريطانيا.
ولا ينحصر الاحترام والتقدير الكبيرين لشخصية الإمام محمد أحمد في الأنصار فحسب، فالسودانيون بشكل عام يعتبرون أن هذا الرجل الزاهد الذي تمكن من هزيمة الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ومرغ كرامتها في التراب وانتصر على أبرز قادتها العسكريين لدرجة أن الصين بنت "قاعة الصداقة" في الخرطوم في نهاية السبعينات تقديرا لدوره مما اعتبروه انتقاما من الجنرال غوردون الذي أذاقهم الأمرين، حاضر في الوجدان والوعي الجمعيين في السودان.
وتحفل كثير من الأغنيات والقصائد الوطنية في هذا البلد بذكر الإمام المهدي على وجه الخصوص كثائر فريد من نوعه وعلى شاكلة الرجال ذوي الالتزام الأخلاقي الكبير لدرجة أنه لم يكن يضع طعما في صنارة صيد الأسماك قبل تفجيره الثورة لئلا "يخدع الأسماك". كما يتغنى السودانيون بأمجاد الثورة المهدية التي أذاقت البريطانيين علقم سلسة من الهزائم العسكرية، فيما لم تتجرع جيوش المهدية هذا الكأس قط إلا بعد وفاة الإمام المهدي:كرري تحدث عن رجال كالأسود الضاريةخاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغيةوالنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانيةما هان فرسان لنا بل فر جند الطاغيةويقول الأمين العام لهيئة شئون الأنصار عبد المحمود (انتخب في مطلع التسعينات) في حوار خاص لـ"العربية.نت أن كلمة الأنصار تعني التزام جماعة من المسلمين بقول الله تعالى " ياأيها الذين أمنوا كونوا أنصار الله". مضيفاً وهم الذين استجابوا لدعوى الإمام محمد أحمد المهدي التي ظهرت في السودان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بغرض تصحيح العقيدة الإسلامية وتحرير السودان من المستعمر التركي المصري.
ويؤكد أبوّ أن هيئة شؤون الأنصار لم تقم باجراء احصاء دقيق لعدد الأنصار داخل السودان إنما بناء على آخر انتخابات ديمقراطية جرت في السودان في 1986، كان عدد الأنصار في البلاد 8 ملايين ما يعادل نسبة 40% من سكان السودان الشمالي، تتواجد الغالبية منهم في مناطق النيل الأبيض والجزيرة ومنطقة القضارف ومنطقة دارفور وكردفان.
كما يفيد بأن الأنصار يتواجدون في غرب أفريقيا في كل من نيجيريا في ولاية مايدوقري والنيجر وتشاد وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وفي باكستان بأعداد كبيرة.



جلباب عمره 120 عاما

سكان حي ودونابوي شأنهم شأن أحياء أمدرمان القديمة الأخرى مثل "بيت المال" و"الملازمين" و"أبوروف" و"ودر أرو" و"أبوسعد" و"المهدية" و"حي الضباط"، هم خليط من قبائل هاجرت غالبيتها إلى أمدرمان تلبية لدعوة قائد الثورة المهدية التي انتصرت على الإنجليز وأقامت "دولة إسلامية" نهايات القرن التاسع عشر الميلادي. واكتسبت هذه الأحياء أسماءها من أسماء بعض قادة الثورة المهدية.
أما الزي الخاص الذي رافق الأنصار منذ 120 عاما تقريبا، فهو يتكون من جلباب يمكن أن يلبس من جهتين وله جيب خلفي وآخر أمامي، وعمامة لا تنقصها الأناقة توضع بشكل متقن ومحدد، أو جلباب قصير يطلقون عليه اسم "على الله" وتحته سروال من نفس اللون والنوع وينتعلون حذاء "مركوب" يمكن أن يلبس بكلتا القدمين.
ويقول بعض شيوخ الأنصار إن هذا الزي مرتبط بالجهاد ضد الإنجليز. يؤكد هذا الأمين العام للهيئة القيادية التي تعنى بشؤون الأنصار عبدالمحمود أبوّ مشيرا إلى "الأنصار كانوا في حالة جهاد مستمر ضد المستعمر وحتى لا يتعثر المجاهد الأنصاري ويتأخر عن المعركة، اتجهوا لتفصيل هذا الزي وصنع حذاء يمكن أن وضعه في أي قدم".
أما الجلباب القصير "على الله"، فيقول أبوّ لـ"العربية.نت" عنه "النوع الثاني من الجلباب يسمى على الله ويعني أن يلسبه الشخص ويتوكل على الله ولا يلتفت إلى الخلف. ويضيف "نحن كأنصار نتمسك بارتداء الزي الانصاري في كل المناسبات وذلك لتمسكنا بثقافتنا مما يؤهلنا لدخول عصر العولمة و إذا لم نتمسك بثافتنا فإن ذلك يؤدي لذوبان ثقافتنا". وفي الآونة الأخيرة انتشر ارتداء زي الأنصار وسط شرائح كبيرة من الشباب من غير الأنصار اعتقادا منهم بأنه زي مميز وجميل.
اهتمام الشباب السودانيين بزي الأنصار يعكس من جانب آخر، التنوع الثقافي والاجتماعي والتأثير والتأثر السائد في السودان. حيث اتجه بعضهم أخيرا لارتداء زي "البجة" في شرق السودان المؤلف من جلباب قصير عليه "صديرية" وتحته سروال واسع، وفوق كل هذا شملة طويلة تلتف من تحت الركبة إلى الكتفين وتحيط بالجسم كله، فيما آثر بعض الزي الإفريقي المميز للجنوبيين.
وكان الأنصار على الدوام ميالين خصوصا في عهد إمامة عبدالرحمن المهدي (ابن الإمام المهدي) للتسامح والتعاطي مع الثقافات السودانية لدرجة رعاية بعض الشعراء والمطربين في وقت كان المجتمع بأسره يرى في الغناء عيبا. واحتضن قادة الأنصار أيضا الأنشطة الرياضية، ولا تزال هذه الأنشطة كلها تمثل جزءا من الشخصية الأنصارية المتشددة في أمور أخرى كالتدخين مثلا إذ يحرمونه تماما على الرغم من اتجاه بعض شباب الأنصار للتدخين في الآونة الأخيرة.



جزيرة لا تدخلها الشرطة

ولعل المثير فعلا، أن درجة الانضباط الديني والاجتماعي في مجتمعات الأنصار كانت أقرب إلى الخيال. ففي الجزيرة أبا على سبيل المثال لم تكن هناك حاجة لإنشاء مركز للشرطة طيلة الفترة من 1885 إلى بداية السبعينات من القرن الماضي لانتفاء الجريمة. كما أن الجزيرة الواقعة على النيل الأبيض جنوب الخرطوم لم تعرف التبغ المعدود من الموبقات إلا في العشرين سنة الأخيرة.
وتثار أسئلة فكرية كثيرة حول الأنصار، إذ يستند بعض إلى مسألة "الإمامة" باعتبارها مؤكدة لشيعية الأنصار، في حين يرى بعض أن حركة الأنصار استمدت أصولها من الحركات الصوفية المنتشرة في البلاد خصوصا أن الإمام المهدي كان قد درس على يد شيوخ صوفيين. ويعتقد آخرون أن الأنصار أقرب للسلفية. لكن عبد المحمود أبوُ يقطع بأن الحركة الأنصارية هي حركة تجديد إسلامي أستطاعت أن تجمع كل الخصائص التي تمثل الحق عند الجماعات والمذاهب الإسلامية المختلفة.
وقال أبوّ في سياق افاداته لـ"العربية.نت" إن الحركة الأنصارية فيها ملامح الصوفية في صفاء الروح والعبادات وكذلك ملامح الشيعة، وأخذت أيضا من الجماعة السلفية تصحيح العقيدة، ومن حركة جمال الدين الأفغاني الاصلاح الإجتماعي". ويمضي بشكل أكثر تحديدا للقول " لا يمكننا تسميتها جماعة صوفية بل حركة بعث إسلامية"، مؤكدا أن للحركة الانصارية علاقات وثيقة مع كل الجماعات الاسلامية الصوفية والشيعية والسلفية والسنة.
لم يكن محمد أحمد السوداني بطبيعة الحال أول من أطلق على نفسه لقب المهدي، فبن تومرت مؤسس دولة الموحدين، ومحمد بن عبد الله السنوسي الليبي قائد الحركة السنوسية، وغيرهم من السنة والشيعة أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب، فقد كانت فكرة المهدي تمثل الخلاص للمظلومين، وهي مناسبة لحشد التأييد الشعبي لأي ثائر يرفع هذا الشعار، وتقوم بإضفاء نوع من القداسة على ثورته.
وينفى أبوّ وجود خلاف بين الحركة الأنصارية والصوفية مبرراً اختلاف قائد الحركة الانصارية محمد أحمد المهدي مع شيخه محمد شريف (شيخ الطريقة السمانية الصوفية) بأن المهدي كان يرى في ذلك الوقت أن الطرق الصوفية قد صرفت الأمة السودانية عن مجابهة المستعمر. وفي ضوء ذلك دعا المهدي إلى تجاوز الحركات الصوفية والتمسك بالكتاب والسنة. لكنه يؤكد أنه لا يوجد خلاف بين الحركة الانصارية والصوفية مشيراً بذلك إلى أن من ناصروا المهدي في دعوته وثورته كانوا كبار شيوخ الصوفية في السودان مثل الشيخ العبيد ود وبدر وعامر المكاشفي مضيفا أن المهدية جاءت من رحم الصوفية.
ويرى عبد المحمود أبوّ (40عاما) أن هيئة شؤون الأنصار هي أول مؤسسة دينية في العالم الإسلامي تصدر أطروحة حول حوار الحضارات قائلاً "أطلقنا عليها حوار الحضارات مقابل مصطلح صراع الحضارات وكانت عبارة عن محاضرة قدمها إمام الأنصار في مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية في القاهرة وحضره عدد كبير من علماء الإسلام من كل أنحاء العالم واصدرنا بعدها أطروحتين".



الهيكلة الادارية

ويوضح أبوّ أن الهيكل الاداري لكيان الانصار في عهد الامام المهدي كان يتكون من القائد الأعلى وهو "الامام" وخلفاء "سماهم خلفاء خلفاء رسول الله وهم عبد الله التعايشي كخليفة لسيدنا أبو بكر الصديق وعلى ود حلو كخليفة لسيدنا عثمان بن عفان ومحمد شريف كخليفة لسيدنا على بن أبي طالب". وبعد سقوط الدولة المهدية على يد الجنرال البريطاني اللورد كتشنر أعاد عبد الرحمن المهدي (نجل المهدي) بناء الهيكل الاداري لكيان الأنصار عبر الوكلاء والمناديب.
ويستطرد أن الهيكل الادارى لكيان الانصار في الوقت الحاضر تمثلة هيئة شؤون الأنصار وهي الهيئة المعنية بإدارة شؤون الأنصار داخل وخارج السودان وتتكون من 4 أجهزة قيادية هي المؤتمر العام وعدد عضويته 4 آلاف عضو ومجلس الشورى ويتكون من 50 عضو ومجلس الحل والعقد من 50 عضو والمكتب التنفيذي المكون من 10 أمانات متخصصة في الأنشطة كافة.
وفي قمة الهيكل الاداري، الامام الذي يمثل القيادة الرمزية للهيئة ويتم اختيار الامام عن طريق التزكية من مجلس الحل والعقد وهي الجهة التي تضع شروط اختيار الامام وبعد أن يصادق عليه مجلس الحل والعقد يرفع إلى مجلس الشورى ثم المؤتمر العام وبعد المبايعة يصبح اماما. ويؤم الأنصار حاليا، رئيس حزب الأمة ورئيس الوزراء السابق الصادق المهدي (حفيد الامام المهدي).
وتدعو هيئة شؤون الأنصار المسملين في جميع أنحاء العالم لأن يتوحدوا في موقف واحد. ويقول أبوّ "حتى نتمكن من التصدي للهجمات الموجهة للغسلام والمسلمين"، مؤكدا أن لهيئة شؤون الأنصار تواصل مع كل المسلمين المعتدلين "المؤمنين" بضرورة وحدة الامة الاسلامية في مصر والخليج وبقية انحاء العالم بغية التوصل إلى نموذج الأمة الاسلامية.



دعوة لتجاوز الصراع السني الشيعي

وترى هيئة شؤون الأنصار أن هناك ضرورة ملحة لتجاوز الصراع التاريخي بين السنة والشيعة. ويهتم الأنصار بمعالجة القضايا المطروحة في الساحة السودانية فكرية كانت أم ثقافية أو اجتماعية. وينفي أبوّ على نحو قاطع أن تكون هيئته ناشطة في الدعوة لـ"عروبة السودان" في سياق جدل الهوية السودانية. ويقول "نحن ندعو إلى هوية سودانية ونرفض أن تكون هوية السودان عربية أو أفريقية أو إسلامية سيما نحن في مجتمع سوداني متعدد الثقافات والاديان". ويضيف أن العروبة ليست عرقا بل هي ثقافة وكل من تحدث العربية فهو عربي "لذلك لا نتعامل مع القومية في اطارها العروبي المتعصب".
وتموّل هيئة شؤون الأنصار أنشطتها من خلال اشتراكات الأنصار ودعمهم بحسب عبدالمحمود أبوّ الذي يؤكد بأن هيئته "لا تتلقى معونة من أية جهة خارجية"، لكنه لم ينكر تمويل الصادق المهدي للهيئة، قائلا "يساهم الصادق المهدي بوصفه عضوا في الهيئة".
ويكثر القول في السودان إن الأنصار يقدسون آل المهدي لدرجة القسم بالمهدي لكن عبد المحمود أبوّ يرى خلاف ذلك قائلا " آل المهدي مثلنا ولا يوجد في نهج الانصار تقديس لآل المهدي". ويشير في هذا الخصوص إلى مقولة مؤسس المهدية محمد أحمد المهدي "لا نغني عنكم من الله شيئاً". ويضيف أن المهدي لم يختر أحدا من أسرته ليكون خليفة له "نحترمهم كأسرة كان لها دور كبير في تاريخ السودان ومحاربة الغزاة والمستعمرين".
وفي معرض رده على سؤال حول طقوس الأنصار الدينية، أكد أبوّ أنه لاتوجد طقوس دينية خاصة بالأنصار باعتبار أن المهدية دعوتها تجريدية "لا يوجد فيها أي مجال للطقوس". والأنصار متشددون في تأدية الصلاة "نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ونقرأ البسلمة جهراً". ويضيف أن الأنصار يقرأون راتب المهدي مرتين في اليوم بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر والراتب عبارة عن آيات وأحاديث وادعية مأثورة عن الرسول (ص) قام بجمعها المهدي "وهو التزام بتوجيه إلهي كما جاء في الآية القرآنية : سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".
ويفيد بأن هناك مناسبات دينية يوليها الانصار اهتماما كبيرا مثل صلاة العيد قائلا "ما يميز الأنصار عن غيرهم أنهم يصلون صلاة العيد خارج المساجد ونحرص بأن تكون في مكان عام بينما يصلي بقية المسلمين داخل المساجد" ويرى الأنصار بحسبه أن العيد عبارة عن مظاهرة دينية لإظهار قوة وتوحد المسلمين وتضامنهم. ويؤكد "نتناول في صلاة العيد كافة القضايا التي تهم الدين الوطن".



الامام محمد أحمد المهدي

ولد قائد المهدية محمد أحمد المهدي في جزيرة "لبب" شمال السودان في 1844 لأسرة عرفت بالانتماء لآل البيت، وكانت أسرته تعمل في صناعة المراكب. وما لبثت الأسرة أن هجرت موطنها في 1850 متجهة جنوبا إلى أن استقرت في العاصمة الخرطوم.
ثم انقطع بعد ذلك للعبادة واختار جزيرة "أبا" بالنيل الأبيض التي اختارها فيما بعد منطلقا لدعوته، وفيها زاد إقبال الناس عليه لاشتهاره بالزهد والورع. استطاع المهدي أن يوحد السودانيين بعد أن انتقل بهم من نصر إلى نصر، وحررت مدن السودان تباعا تحت حكمه، ففي 1883 تم تحرير مدينة الأبيض غرب السودان ، وانضم شرق السودان إلى "المهدي" بقيادة عثمان دقنة أحد زعماء قبائل البجة.
وكان تحرير الخرطوم بواسطة قوات المهدي في 1884 بمثابة المسمار الأخير في نعش حكومة الخديوي ومن ورائها بريطانيا، واستطاع أنصاره الثائرون أن يقتلوا القائد الإنجليزي غوردون الذي أرسلته لندن للقضاء على هذه الثورة. وبعد أقل من عامين من فتح الخرطوم توفي المهدي.
وخلّف المهدي جدلا واسعا داخل السودان وخارجه حول ادعائه للمهدية ، إضافة إلى بعض الاجتهادات الخاصة التي أقرها وألزم بها الناس. لكنه ظل يحظى باحترام أصدقائه وأعدائه على حد سواء لما تمتع به من مؤهلات جعلته الرجل الأول في تاريخ السودان وهو يلبس الرث والمرقع من الثياب ويسكن بيوت الطين.
لكن اعتقادا يسود في بعض الأوساط السودانية بأن أبناء المهدي وأحفاده عرفوا على عكسه الترف والنعيم، وتحول كيان "الأنصار" الذي قامت على أكتافه الدولة من الخط الثوري الجهادي في التغيير إلى انتهاج الأساليب السلمية والتُّقية ومهادنة الإنجليز الذين حكموا البلاد إلى حين بزوغ فجر الاستقلال في 1956.







تعليقات حول الموضوع (عدد التعليقات 2)

--------------------------------------------------------------------------------
2 - وده كلام..
سوداني (زائر) |24/07/2006 م، 12:16 مساءً (السعودية) 09:16 صباحاً (جرينتش)
كيف يعقل أن يذكر المهدي وتذكر الثورة المهدية بدون أن يذكر الخليفة عبدالله التعايشي ود تور شين.. صاحب الإيدولوجية أو الفكرة..

--------------------------------------------------------------------------------
1 - ومن المومنين رجالا صدقوا ماعاهدوا الله علية
عصمت خليل (زائر) |22/04/2006 م، 01:48 صباحاً (السعودية) 10:48 مساءً (جرينتش)
امثال المهدي واتباعة كانوا يريدون الاخرة وكانوا زاهدين في الدنيا ولم يرتكبوا اخطاء جسيمة لا تغفر وكانو متواضعين رفعهم الله ضحوا بحياتهم من اجل الله والوطن اما الحالين متكبرين وقد ارتكبوا اخطاء جسيمة لاتغفر لزلك يريدون جر الكثير معهم الي الهاوية وتحالفوا مع الشيطان ويضحكون علي الشعب السوداني لكنهم لم يضلوا احدا الا من يريد الدنيا





==================================================================

cnoc

عدد المساهمات : 35
نقاط : 105
تاريخ التسجيل : 16/03/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى